حين تصبح الهجرة نتيجة للتهجير
استذكر دائما حضور الاشقاء الفلسطينيين إلى الكويت، وأقول دائما لا ينبغي أن ننظر إلى هجرتهم باعتبارها مجرد حركة سكانية بحثًا عن العمل وتحسين ظروف المعيشة، بل من المهم أن نضعها في سياقها التاريخي والسياسي، وأن نستذكر تلك الظروف التي دفعت أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين إلى مغادرة وطنهم.
فبعد النكبة عام 1948، وجد الشقيق الفلسطيني نفسه أمام واقع جديد لم يختره هو انما اجبر عليه، أرضه احتُلت، وقرى دُمّرت، ومئات الآلاف من الفلسطينيين أصبحوا خارج ديارهم، يبحثون عن مكان يأويهم ومستقبل يستطيعون أن يعيشوا فيه بكرامة.
وفي تلك الفترة، كانت دول الخليج العربي، ومنها الكويت، تشهد تحولات اقتصادية وعمرانية كبيرة مع اكتشاف النفط، وكانت بحاجة إلى الأيدي العاملة والخبرات في عددا من المجالات، وهكذا تلاقت حاجة المنطقة إلى الكفاءات والعمالة مع حاجة الفلسطيني إلى مكان يعيش فيه ويؤمّن فيه مستقبله، فكانت الكويت واحدة من أبرز الوجهات التي قصدها الفلسطينيون.
لكن السؤال المتكرر دائما والذي ينبغي أن يبقى حاضرًا هو: لماذا اضطر الفلسطينوين أصلًا إلى مغادرة فلسطين، وأقول أنه بالنظر إلى الهجرة بمعزل عن ظروفها التاريخية قد يحوّل النتيجة إلى سبب، ويجعل الفلسطيني يبدو وكأنه اختار مغادرة وطنه طوعًا، بينما كانت الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فقد ارتبط خروج أعداد كبيرة من الفلسطينيين مجبرين تحت وقع ضربات الاحتلال خلال النكبة بأحداث عنف وعمليات عسكرية ومجازر وعمليات تهجير، وهي وقائع تناولتها مصادر تاريخية فلسطينية ودولية بدرجات مختلفة من التفصيل والتفسير.
ولذلك، فإن الحديث عن الهجرة الفلسطينية يجب ألا ينفصل عن مفهوم التهجير القسري؛ فالإنسان الذي يفقد بيته وأرضه تحت وطأة الحرب لا يصبح مهاجرًا بالمعنى نفسه الذي ينطبق على من يغادر بلده بحثًا عن فرصة اقتصادية.
ويمكن أن نستحضر هنا ما حدث لاحقًا في أزمات أخرى، ومنها الأزمة السورية، حيث أدت الحرب والدمار إلى موجات نزوح ولجوء ضخمة، فتوزع الاشقاء السوريون بين دول الجوار وأوروبا ودول كثيرة غيرها إذ لم يكن كثير منهم يبحثون في البداية عن حياة أفضل، بقدر ما كانوا يبحثون عن مكان آمن يحفظ لهم حياتهم وكرامتهم.
وبالعودة إلى القضية الفلسطينية ومع استمرار احداث العنف من قبل الاحتلال ليأتي بعدها حرب عام 1967 لتفتح فصلًا جديدًا من النزوح الفلسطيني، بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضٍ عربية أخر، وأصبحت قضية الأرض والسكان جزءًا أساسيًا من الصراع الذي لا تزال آثاره قائمة حتى اليوم.
وقد قرأت، في سياق بحثي حول هذه المرحلة، شهادات ومراجع تاريخية تناولت التصريحات والمواقف الإسرائيلية المتعلقة بالسكان الفلسطينيين والأراضي المحتلة. ومن المهم هنا أن نفرق بين الوقائع الموثقة وبين التفسيرات السياسية اللاحقة لها، وأن نترك للتاريخ ووثائقه مهمة إظهار الصورة كاملة.
ومن هنا، فإن قصة الفلسطينيين في الكويت ليست قصة هجرة اقتصادية فحسب؛ إنها جزء من قصة فلسطينية أكبر، بدأت بالاقتلاع والنزوح، ثم انتقلت إلى الشتات، حيث حمل الفلسطيني معه ذاكرة وطنه إلى البلدان التي استقر فيها.
استاذ مبارك المطوع
رئيس التحريراستاذ مبارك المطوع