آراءمحلي

الشيباني :اللصوص والخيرات..!

د. محمد بن إبراهيم الشيباني :

محمد بن إبراهيم الشيباني
محمد بن إبراهيم الشيباني

«مما يفضي الى العجب العجاب رجل يرتكب الدنايا، ويخون في أشغاله، ويستحل درهم اليتيم ودينار الأرملة، فيؤنبه ضميره ويقرعه وجدانه، فيعمد إلى تخفيف تلك الوخزات وتلطيف تلك الآلام النفسية، فيشيد المعاهد الدينية والمقامات الخيرية ظناً منه أنه يزكي ماله، وينقي ثروته، ويفتح له أبواب الجنة سبيلا. فمبراته قذى في عين التقى فلا تشفع به معاهده في موقف العرض والحساب وموضع الثواب والعقاب. فالمال يثمر لصاحبه ولن تغفر الذنوب إلا برد المسلوب» (يوسف رزق الله غنيمة).يا ترى كم هم الذين سلبوا ومازالوا يسلبون حقوق غيرهم من قرابة وصحابة وأباعد، ومال خاص وعام جرهم وجرأهم بريق هذه الأموال، ولم يضعوا مراقبة الله نصب أعينهم أو في الحسبان، وأنهم سيسألون عن الأمانات وكيف سلبوها وضيعوها. يفرح الكثيرون بانتصارهم أو فوزهم على غيرهم بالحق أو الباطل، أي إزاحة المنافس بالوسائل المتنوعة غير الشرعية أو القانونية، أو ما تعارف عليه الناس من الأمانة والثقة فيما بينهم.

نعم، اليوم، لا أحد يتابعك، وقد تستلذ بهذا المال، الذي اكتسبته أو اختلسته من وجوه الشر المتعددة، وقد يفتح لك الشيطان وجوهاً وأبواباً أخرى لتستمر في هذا الغي، وتنغمس فيه، حتى يصعب عليك بعد ذلك التخلص منه، فتمني نفسك أو شيطانك أن يسول إليك، حتى لا تخرج من هذا القمقم، فيقترح عليك ذلك الاقتراح بالتصدق من هذا المال المسروق ببعض المقترحات الشيطانية، منها عمّر الملاجئ والمساجد والمراكز الصحية وغيرها، فتفرح نفسك فتسمّى على ضوئها بعد ذلك بـ«المحسن الكبير» وصاحب الأيادي البيض، أو الرجل الذي لا يتوقف عن بذل الخيرات والصدقات! ولكنها في الحقيقة مع علمك بذلك هي غير ذلك، وأنت لست بالمحسن الكبير، ولا صاحب الأيادي البيضاء، ولا بالرجل الذي لا يتوقف عن الصدقات لأنك تعلم من أنت!

تذكرت هنا ذلك الخبر الذي قرأته من سنوات عدة مرت، أن مجرماً زعيم عصابة في إحدى قرى أو مدن الهند النائية أو البعيدة، كان يسرق بالغصب من أملاك التجار المواشي والطيور والحبوب، ثم يقوم وعصابته بتوزيعها على الفقراء في القرى والمدن الفقيرة ظناً منه أنه قد عمل خيراً في ما فعل! ولكن في كل فذاك لص أو مجرم، لم يطلب من أحد أن يدعى بالمحسن الكبير أو تبييض ماله بهذه الأساليب، فالفرق واضح بين هذا ومن يسرون بمن يلقبهم بهذا اللقب، مع ما هو فيه غير ذلك! والله المستعان.
• حكمة الإمام
«قصم ظهري عالمٌ متهتك وجاهل متنسك. فالجاهل يغش الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه». (علي بن أبي طالب رضي الله عنه)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى