الفوسفور الإسرائيلي يحرق الأمم المتحدّة في غزّة!

المحامي عبد الناصر حوشان
منذ أيام شاهدنا المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدّة و هو يقوم بتمزيق مسودة قرار طرح للتصويت أمام الجمعيّة العامة حول انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها عصابات الكيان بحق الفلسطينيين في غزّة و صرخ في وجه الحاضرين قائلا بأن مكان هذا القرار في سلّة قمامة التاريخ ومن العار عليكم مناقشته ، وفي صباح يوم الخميس الواقع في /02/11/2023/ أقدمت عصابات الإحتلال قصف تجمّع مدارس الاونروا والأبنية السكنيّة المجاورة له الكائنة في مخيّم الشاطئ التي تأوي الاف المهجّرين قسريّاٍ من قبلها من باقي مدينة غزّة بقنابل الفوسفور الأبيض ’’ الحارق‘‘ المحرّم دوليّاً، وهو انتهاك لاتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 والبروتوكولين الاضافيين الملحقين بها ، كما يعتبر انتهاكاً لاتفاقيّة حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر لسنة 1980 وتعديلاتها لسنة 2001. والبروتوكول الثالث الخاص بالأسلحة الحارقة لسنة 1980.
من مبادئ القانون الدولي مبدأ عدم إطلاق حريّة الأطراف في نزاع مسلح من حق في اختيار أساليب الحرب أو وسائلها ، ومبدأ تحريم استخدام اسلحة وقذائف ومعدات وأساليب حربية يكون من طبيعتها أن تسبب أضراراً مفرطة أو آلاماً لا داعي لها في النزاعات المسلحة ، والفوسفور الأبيض أحدها .
لقد عرّف البروتوكول الثالث لسنة 1980 بشأن حظر أو تقييد استعمال الأسلحة المحرقة السلاح الحارق بأنّه : أي سلاح أو أية ذخيرة، مصمم أو مصممة في المقام الأول لإشعال النار في الأشياء أو لتسبيب حروق للأشخاص بفعل اللهب أو الحرارة أو مزيج من اللهب والحرارة المتولدين عن تفاعل كيماوي لمادة تطلق على الهدف.
وتقسم الأسلحة الحارقة الى ثلاث اقسام :
مواد حارقة صلبة: مثل الثرميت والفوسفور الأبيض والإلكترون والمغنيزيوم والصوديوم
مواد حارقة سائلة : مثل مخلوط بترولي غير مغلظ او مخلوط مثل النابالم .
مخلوطات حارقة من مواد صلبة وسائلة: وهي مزيج من مواد بتروليّة ومعدنيّة مثل البيروجيل
الفوسفور الأبيض: هو مادة كيميائية يستعمل في القنابل الحارقة حيث يتبخّر بسرعة و يلتهب بملامسة الهواء مسبّباً حريقاً ذو لهب وحرارة شديدة تفوق الـ’’800‘‘ درجة ويعبّأ غالباً في قذائف المدفعية والهاونات والقنابل والصواريخ، يسبب إصابات مروعة وقاتلة عندما يتلامس مع جسم الإنسان حيث يتسبّب بحروق شديدة تصل إلى العظام ، بطيئة في الشفاء و تتفاقم الجروح بعد العلاج وتشتعل مجددًا عند تعرضها للأكسجين ، وحروق الفسفور الأبيض التي لا تتجاوز 10 بالمئة من جسم الإنسان غالبا ما تكون قاتلة ، ويمكن أن يسبب أيضًا تلفًا في الجهاز التنفسي وفشلًا في الأعضاء ، ويعاني الناجون من إصاباتهم الأولية مدى الحياة حيث يعيق الشدّ الدائم للعضلات والأنسجة الأخرى حركة المصابين بالإضافة للصدمة النفسيّة التي تسبّبها الإصابة من ألم و آثار على شكل المصاب .
كما يؤدّي انتشار الفوسفور الى احتراق وأن تدمر المباني والممتلكات المدنية، وتلحق الضرر بالمحاصيل، وتقتل الماشية.
الاتفاقيّات الدوليّة الخاصّة بحظر الفوسفور : من خلال الميزات والخصائص التي يتمتّع بها الفوسفور الأبيض وآثاره الخطيرة على الافراد والممتلكات والطبيعة والبيئة فإنه يعتبر من الأسلحة المحظورة بموجب اتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر لسنة 1980 وتعديلاتها لسنة 2001 .
وقد تضمّنت المادة الثانيّة منه المحظورات التاليّة :
يحظر في جميع الظروف جعل السكان المدنيين بصفتهم هذه، أو المدنيين فرادى، أو الأعيان المدنية، محل هجوم بالأسلحة المحرقة.
يحظر في جميع الظروف جعل أي هدف عسكري يقع داخل تجمع مدنيين هدفاً لهجوم أسلحة محرقة تطلق من الجو.
يحظر كذلك جعل أي هدف عسكري يقع داخل تجمع مدنيين هدفاً لهجوم بأسلحة محرقة غير تلك التي تطلق من الجو، إلا حين يكون الهدف العسكري واضح الانفعال عن تجمع المدنيين وتكون قد اتخذت جميع الاحتياطات المستطاعة كيما تقصر الآثار المحرقة على الهدف العسكري ويتفادى ويخفف إلى الحدود الدنيا في أية حال، ما قد ينجم عنها عرضاً من وقوع خسائر في أرواح المدنيين أو إصابتهم بجروح أو تلف الأعيان المدنية.
نطاق تطبيق هذه الاتفاقيّة :
تفرض الالتزام بنصوصها على كل أطراف نزاع ليست من الأطراف السامية المتعاقدة التي قبلت هذا البروتوكول بغضّ النظر عن مركزها القانوني أو المركز القانوني لإقليم متنازع عليه.
يجب الالتزام بنصوص هذه الاتفاقيّة في كافة أنواع النزاعات المسلّحة الدوليّة وغير الدوليّة والحروب التي نصّت عليها مادّتها الأولى المعدّلة :
تنطبق هذه الاتفاقية وبروتوكولاتها الملحقة بها في الحالات المشار إليها في المادة’’2 ‘‘ المشتركة بين اتفاقيات جنيف لسنة 1949 لحماية ضحايا الحرب وهي حالة السلم، وحالة الحرب المعلنة أو أي اشتباك مسلح آخر ينشب بين طرفين أو أكثر حتى لو لم يعترف أحدها بحالة الحرب. وفي جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة .
وتنطبّق على الحالة الموصوفة في الفقرة’’4‘‘ من المادة ’’1‘‘ من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1979 وهي حالة المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير، كما كرسه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقاً لميثاق الأمم المتحدة.
وتنطبق على الحالات المشار إليها في المادة ’’3‘‘ المشتركة بين اتفاقيات جنيف المؤرخة لسنة 1949 والخاصّة بحماية الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر.
استهداف مدارس الاونروا :
تأسست الأونروا بموجب قرار الجمعيّة العامّة للأمم المتحدّة رقم ’’302 ‘‘ لسنة 1949 بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئي فلسطين، ومنها بناء المدارس .
وقد تضمّن التقرير الأخير للأونروا رقم ’’19‘‘ الصادر بتاريخ /01/11/2013/ ما يلي :
خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قتل ثلاثة موظفين من موظفي الأونروا، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 70 موظفا قتلوا منذ 7 تشرين الأول.
حوالي 690,000 نازح داخليا يحتمون في 149 منشأة في جميع أنحاء قطاع غزة. ويقيم ما يقدر بنحو 160,000 شخص في 57 ملجأ في الشمال وفي مدينة غزة. بيد أن الأونروا لم تعد قادرة على تقديم الخدمات للنازحين في تلك المناطق. وليس لدى الوكالة معلومات دقيقة عن احتياجاتهم وظروفهم منذ صدور أمر الإخلاء من السلطات الإسرائيلية في 13 تشرين الأول.
وقتل ’’8,525 ‘‘ شخصا منذ يوم 7 تشرين الأول، من بينهم ’’ 3,542 ‘‘ طفلا، و ’’2,197 ‘‘ امرأة. وإصابة ’’ 21,543 ‘‘ آخرون بجروح. و’’ 2,000 ‘‘ شخص في عداد المفقودين تحت أنقاض المباني المدمرة منهم ’’ 1,100 ‘‘ طفل.
وأن أكثر من ’’529,000 ‘‘ شخص يقيمون في’’ 92 ‘‘ منشأة تابعة للأونروا في مناطق الوسط وخان يونس ورفح. ويمثل ذلك زيادة قدرها حوالي 18,000 نازح خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وقد وصلت الملاجئ إلى الحد الأقصى لاستيعاب الوافدين الجدد، وينام العديد من النازحين في الشوارع القريبة من مباني الأونروا.
أن حوالي ’’1,4 ‘‘ مليون شخص هم نازحون حاليا في قطاع غزة بالإضافة إلى أولئك الموجودين حاليا في ملاجئ الأونروا، لجأ كثيرون آخرون إلى عائلات مضيفة أو إلى المستشفيات والمدارس الحكومية والمرافق العامة الأخرى.
وبناءًا على ما سبق نستنتج أن هناك نيّة جرميّة مسبقة مُبيّتة لدى عصابات الاحتلال في استهداف التجمّعات البشريّة الذين دفعتهم للالتجاء الى منشآت الأونروا و المشافي ودور العبادة و من ثم قصفهم بالطيران الحربي أو بالصواريخ و كان آخرها قصفهم بقنابل الفوسفور الأبيض ، كما يدلّ استخدامه في سياق العدوان الذي تقوم به ضد سكان غزّة ، و التي اتخذت اساليبها نمطاً ممنهجاً ومتعمّداً في قتل أكبر عدد ممكن من السكّان و ابادتهم بهدف دفعهم لمغادرة القطاع باتجاه الأراضي المصريّة ومنها استهداف المشافي وانهاك الكوادر الطبيّة واستنزاف المستهلكات و الادوية الضرورية لإلحاق الأذى والضرر بأكبر عدد من المدنيين مما يؤدّي الى اغلاق المشافي وبالتالي انهيار المنظومة الطبيّة والصحيّة في القطاع.
وكون الاستهداف يأتي في سياق عدوان عسكري سافر على سكّان غزّة بقصد تهجيرهم قسراً الى الأراضي المصريّة ، والتهديد المباشر من قِبل السلطات الرسميّة والعسكريّة الاسرائيليّة ، وحملات التحريض العنصري عليهما ، وحيث أن عصابات الاحتلال تعلم مسبقاً تواجد هؤلاء المهجّرين وتجمّعهم أو يُفترض بها العلم المسبق كون المعابر الانسانيّة جميعها التي تمرّ منها المساعدات الأمميّة تحت سيطرتها ، كما أنّها تعلم تمام العِلم بأنّ هذه المواقع هي مواقع مدنيّة محميّة بموجب القانون الدوليّ الإنساني ، الامر يجعل من هذه الجريمة جريمة حرب مُركّبة ثلاثيّة متكاملة الأركان وهي :
جريمة إبادة جماعيّة وفقاً لنص المادّة ’’6‘‘ من ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة ، باعتبار أنّ الاستهداف كان بنيّة تعمّد قتل أكبر عدد من السكّان وإلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بهم و إخضاعهم عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً، لمعرفتها بحجم ونوع الاضرار التي يتسبب بها الفوسفور البيض واستعماله رغم ذلك في استهداف تجمّعات بشرية تعدّ بالآلاف ، ولعِلمها بعدم كفاية الموارد المتاحة لمقدمي الخدمات الطبية في غزّة بسبب القصف المستمر لها و بسبب عجزها عن استيعاب الأعداء الكبيرة من المصابين الامر الذي يؤدي إلى تفاقم العملية الصعبة و بالتالي انهيار المنظومة الطبيّة بالكامل .
بما أنّ الفوسفور الأبيض يُصنّف ضمن الأسلحة ‘‘ذات الضرر الزائد والتسبّب بألآم لا لزوم لها ومن الأسلحة العشوائيّة بطبيعتها ‘‘ التي حدّدتها الاتفاقيّة الدوليّة الخاصّة بهذه الأسلحة لسنة 1980 المذكورة أعلاه ، يعتبر استخدامه جريمة حرب باعتباره وفقاً لنصّ الفقرة ’’ 20/ب/2‘‘ من المادّة ’’8‘‘ من ميثاق روما للمحكمة الجنائيّة الدوليّة التي تنصّ على أنّه :لغرض هذا النظام الأساسي تعني ” جرائم الحرب ” … استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية تسبب بطبيعتها أضراراً زائدة أو آلاماً لا لزوم لها، أو تكون عشوائية بطبيعتها بالمخالفة للقانون الدولي للمنازعات المسلحة.
كما أنّ استهداف منشآت تابعة للأمم المتحدّة ومستخدمة من قبل المنظّمات الدوليّة ’’ الاونروا ‘‘ التي تقوم بتقديم المساعدات الانسانيّة تُعتبر جريمة حرب المنصوص عنها بالفقرة ’’3/ب/2″ من المادة ’’8‘‘ من الميثاق التي تنصّ على أنّه : لغرض هذا النظام الأساسي تعني ’’جرائم الحرب‘‘ …. استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية تسبب بطبيعتها أضراراً زائدة أو آلاماً لا لزوم لها، أو تكون عشوائية بطبيعتها بالمخالفة للقانون الدولي للمنازعات المسلحة، بشرط أن تكون هذه الأسلحة والقذائف والمواد والأساليب الحربية موضع حظر شامل وأن تدرج في مرفق لهذا النظام الأساسي.
المحامي عبد الناصر حوشان