المطوع يكتب/ غزة واتفاقية جنيف: الالتزام القانوني لإصلاح الأضرار يلاحق الاحتلال

بقلم/ المحامي مبارك المطوع
مع توقف العمليات العسكرية في قطاع غزة بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة ليست أقل أهمية من الحرب ذاتها، وهي مرحلة المساءلة القانونية وجبر الضرر من قبل الاحتلال؛ فالقانون الدولي الإنساني لا ينتهي مفعوله بانتهاء إطلاق النار، بل يبدأ دوره الحقيقي حين تضع الحرب أوزارها، ولأن ما تسببه الحروب من الحاق أذى للمدنيين والممتلكات العامة يظل خاضعًا لأحكام القانون الدولي، ولا يسقط بانتهاء العمليات العسكرية.
وبالعودة إلى اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والتي أرست مبدأً جوهريًا مفاده أن سلطة الاحتلال تتحمل مسؤوليات قانونية محددة تجاه السكان المدنيين في الأراضي التي تسيطر عليها؛ فمجرد سيطرة قوة احتلال على أرض أجنبية يجعلها ملزمة بموجب القانون الدولي بضمان حماية المدنيين، وتأمين احتياجاتهم، ومنع تحويل حالة الحرب إلى مبرر دائم للانتهاكات؛ وهذا ما أكدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تعتبر أن واجب الاحتلال يشمل المعاملة الإنسانية للسكان، وتوفير المواد الأساسية، وصون الممتلكات العامة والخاصة.
في الحالة المتعلقة في قطاع غزة والذي عانى من حرب إبادة جماعية لمدة تجاوزت العامين، يبرز أن ما ارتُكب من أفعال خلال الحرب من قبل الاحتلال يمثل إخلالًا واضحًا بهذه الالتزامات؛ فالمادتان (53) و (55) من اتفاقية جنيف تنصان على التزامات صريحة؛ إذ تحظر الأولى تدمير الممتلكات الخاصة إلا إذا كانت العمليات العسكرية تقتضي ذلك ضرورةً مطلقة، بينما تُلزم الثانية سلطة الاحتلال بتوفير المواد الغذائية والإمدادات الطبية للسكان أو استيرادها عند الحاجة؛ لكن ما شهده العالم اجمع في قطاع غزة المحاصر كان نقيض هذه الأحكام تمامًا، حيث تعرّضت المرافق المدنية، من مستشفيات ومدارس وجامعات، ودور عبادة ومؤسسات دولية لتدمير واسع النطاق، في حين فُرض حصار خانق أدى إلى وفيات بسبب سوء التغذية ونقص الدواء والادوات الطبية، وهي وقائع ترقى إلى مستوى الانتهاك الجسيم للاتفاقية.
إن انتهاء عمليات القتال لا يعني أن المسؤولية قد انتهب، بل على العكس قد بدأت، وهنا يُفعّل مبدأ أساسي في القانون الدولي هو مبدأ إصلاح الضرر، الذي يلزم الدولة التي ارتكبت الفعل بإعادة الحال إلى ما كان عليه قدر الإمكان، وتعويض المتضررين عن الأضرار التي لحقت بهم؛ ومن هنا نتستذكر نص المادة (148) من الاتفاقية والتي تؤكد أنه لا يجوز لأي طرف أن يتنصل من المسؤولية المترتبة عليه بموجب الاتفاقية، وهو نص يقطع الطريق أمام أي محاولة لتجاوز أو تهميش الالتزامات القانونية التي تنشأ عن الاحتلال أو الأعمال العسكرية غير المشروعة.
والآن فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد توقف العمليات في قطاع غزة وهو شبه مدمر بالكمال لم يعد، من يملك السلاح؟ بل من يتحمل المسؤولية؟، ومن سيعيد بناء ما دُمّره الاحتلال؟ ومن سيعوض من فقدوا ذويهم ومنازلهم؟ فإسرائيل، بصفتها قوة احتلال بحكم الواقع، مطالبة بموجب القانون الدولي الإنساني بتنفيذ التزامات واضحة وصريحة وقف أي تدمير إضافي للممتلكات المدنية، إصلاح وإعادة إعمار البنى التحتية، ضمان وصول الغذاء والماء والخدمات الصحية والتعليمية إلى السكان، وتعويض الضحايا عمّا لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية.
ولا تقتصر المسؤولية القانونية على إسرائيل على التعويض المادي للضرر فحسب، بل تمتد إلى المساءلة الجنائية الدولية عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها، بما فيها القتل العمد، والتهجير القسري، واستهداف المرافق المدنية، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم وفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ ومن هنا، فإن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يشكل الركيزة الأساسية لحماية القانون الدولي من الانهيار، ولضمان عدم تكرار المأساة.
إن المرحلة التي تعقب الحرب في غزة ليست مرحلة سياسية فحسب، بل قانونية بامتياز وتضع العالم و المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي هل سيبقى مبدأ المساءلة حبرًا على ورق نستخدمه متى نشاء، أم سيُطبّق بصورة عادلة وفعالة على الجميع، إن تجاهل هذه الالتزامات أو تأجيلها يشكل خرقًا للقانون الدولي وتراجعًا عن المبادئ التي أُنشئت من أجلها اتفاقيات جنيف.
وبناءً على ذلك، فإن التزام إسرائيل بإصلاح الأضرار وتعويض الضحايا وحماية المدنيين لا يمثل منّة أو خيارًا سياسيًا، بل واجبًا قانونيًا دوليًا محضًا. فالقانون لا يعترف بانتصار القوة، بل بسلطة العدالة.



