عاجل
مقال رأي

العمل الخيري... حين يكون طريقًا إلى الله

calendar_month الأحد, 2 أغسطس 2026 | schedule منذ 23 ساعة | person استاذ مبارك المطوع
مشاركة:
العمل الخيري... حين يكون طريقًا إلى الله
zoom_in اضغط للتكبير


العمل الخيري ليس المقصود منه أن تمتد يدٌ بمال، ولا أن تُحمل سلة غذاء إلى بيتٍ أنهكه الفقر، ولا أن تُكتب الأرقام في سجلات المؤسسات، أو تُلتقط الصور لتُروى بها حكايات الإنجاز؛ فالحقيقة التي يتجاوزها العمل الخيري، أنه عبادةٌ تُزكّي النفس قبل أن تُغني الفقير، ورسالةٌ تبني الإنسان قبل أن تُشيّد البنيان.
لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجعل الناس متفاوتين في أرزاقهم، لا ليعلو بعضهم على بعض، وإنما ليبتلي الغني فيما آتاه، ويجعل في ماله حقًا معلومًا للسائل والمحروم، وليبقى المجتمع الإسلامي قويًا متماسكًا، يشدُّ قويّه أزرَ ضعيفه، ويقدم قادرُه إلى محتاجَه.
وفي المجتمع المسلم، لا يُنظر إلى المحتاج على أنه عبء، بل أمانة في أعناق الذين آتاهم الله، ولا يُنظر إلى الفقير بعين الشفقة، بل بعين الأخوة التي أمرنا بها الله ، فهو أخٌ في الدين، وشريكٌ في الإنسانية، له من الكرامة ما لا يجوز أن تمسه الحاجة.
ولعل أعجب أسرار العطاء التي وضعها الله سبحانه وتعالى أن المستفيد الأول الصدقة في العمل الخيري ليس الفقير، بل المتصدق نفسه.
فالفقير يأخذ ما يسد حاجته، أما المحسن فيأخذ سكينةً لا تُشترى، وطمأنينةً لا تُورثها الثروات، وبركةً تمتد في عمره ورزقه وذريته، ودعوةً صادقةً تخرج من قلبٍ منكسر، فتصعد إلى السماء وليس بينها وبين الله حجاب.
كم من إنسانٍ ظن أنه يحمل الخير إلى بيوت المحتاجين، ثم عاد ليكتشف أن تلك البيوت هي التي قدمت لقلبه حياةً جديدة، دخلها يحمل شيئًا من الدنيا، وخرج منها يحمل شيئًا من الآخرة، ظن أنه جاء معطيًا، فإذا بالله قد جعله الآخذ الحقيقي؛ أخذ رضا الرحمن، وأخذ دعوات الأمهات، وأخذ من سكينة النفس ما لا يُقاس بكنوز الأرض.
إن العمل الخيري ليس فضلًا من غني على فقير، بل فضلٌ من الله سبحانه وتعالى على من اختاره ليكون بابًا من أبواب رحمته، فكم من أناسٍ يملكون المال، ولم يمنحهم الله لذة العطاء والزكاة والصدقة، وكم من أناسٍ ساقهم الله إلى المحتاجين، فجعلهم مفاتيح للخير، وأغلق بهم أبوابًا من البؤس، وفتح لهم أبوابًا من الأجر لا يعلم مداها إلا الله.
وفي صفحات هذا الكتاب لأقوم  بتوثيقًا لمساعداتٍ قُدمت، ولا إحصاءً لأموالٍ أُنفقت، بل شهادةٌ على أن الخير والصدقة والعطاء تصنع اثرا دائما، وأنها شهادةٌ على أن ابتسامة طفلٍ قد تكون أعظم من كنوز الدنيا، وأن دمعة أمٍّ جففها العطاء قد تكون أثقل في الميزان من جبالٍ من الذهب، وأن بيتًا عاد إليه الدفء هو وطنٌ صغير أعيد بناؤه بالمحبة.
سنقرأ في هذه الصفحات قصصًا تبدأ بالحاجة، لكنها لا تنتهي عندها، بل تمضي إلى الكرامة، وإلى الأمل، وإلى الإنسان حين يستعيد إيمانه بالحياة. وستبقى الحقيقة الكبرى ماثلة في كل قصة: أن الخير الذي يخرج من اليد، لا يضيع أبدًا، بل يعود إلى صاحبه نورًا في القلب، وبركةً في العمر، ورحمةً تمتد إلى يوم يلقى فيه ربه، فيجد أن أعظم ما ادخره لم يكن ما جمعه، بل ما أعطاه.

استاذ مبارك المطوع

استاذ مبارك المطوع

رئيس التحرير

استاذ مبارك المطوع

check_circle تم نسخ رابط المقال بنجاح!