حين حملنا الغذاء والدواء إلى غزة المحاصرة
لم تكن فكرة كسر الحصار المفروض على قطاع غزة المحاصر بالنسبة إليّ نشاط إغاثي فقط، بل كانت محاولة لتأكيد حقيقة راسخة أن انسحاب الاحتلال من منطقة ما لا يعني بالضرورة أنها أصبحت حرة، ما دامت محاصرة ومحرومة من أبسط مقومات الحياة الكريمة.
إحدى المحطات المهمة في تلك التجربة بدأت بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، حين أعلنت قوات الاحتلال انسحابها من المستوطنات الموجودة داخل القطاع، وقدّمت ذلك للعالم باعتباره نهاية لوجودها الاستيطاني المباشر هناك غير أن الواقع الذي عاشه أهالي القطاع ظل أكثر تعقيداً من الصورة التي رُوّجت دولياً من قبل الاحتلال وحلفائه.
فغزة مساحة جغرافية محدودة، يعيش فيها عدد كبير من السكان وقد تكون الأعلى اكتظاظا في العالم، وترتبط حياة أهلها ارتباطاً وثيقاً بقدرتهم على الوصول إلى الغذاء والدواء والكهرباء والوقود، فضلاً عن حرية الحركة والتواصل مع العالم الخارجي، ولذلك، لم يكن الانسحاب وحده كافياً لإنهاء القيود التي أحاطت بالقطاع.
وفي عام 2007، تعمّق الانقسام بين الفصائل الفلسطينية، وتكرّس واقع سياسي منفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، ليزيد من الأمور تعقيدا وأصبح بعدها القطاع يعيش تحت إدارة فلسطينية مختلفة عن الإدارة القائمة في الضفة، في ظل تعقيدات داخلية وخارجية انعكست بصورة مباشرة على حياة سكان القطاع بشكل مباشر.
ومع تشديد الحصار من قبل الاحتلال، أخذت الأوضاع الإنسانية تتدهور، وأصبحت الاحتياجات الأساسية، من الأدوية والمستلزمات الطبية إلى الوقود والكهرباء، جزءاً من معاناة يومية يعيشها الناس؛ وكان من الضروري، في تقديري، أن يتحرك المجتمع الدولي بصورة حقيقية لإيصال المساعدات، وأن يُسلَّط الضوء على حقيقة أن غزة لم تصبح حرة لمجرد الإعلان عن الانسحاب منها.
من هنا، جاءت المشاركة في الجهود الرامية إلى كسر الحصار عن الاهل في قطاع غزة والعمل على إيصال المساعدات الإنسانية، وقد شاركت في بعض هذه الجهود، وقطعت سفري للالتحاق بالمبادرة، انطلاقاً من قناعة بأن العمل الحقوقي لا يكتمل بالاكتفاء بوصف المعاناة، بل يحتاج أحياناً إلى خطوات عملية تسهم في تخفيفها.
كانت الفكرة واضحة بصورة نقية العمل على نقل الغذاء والدواء والمستلزمات التي يحتاج إليها سكان القطاع، بما في ذلك الكراسي المتحركة وغيرها من المساعدات، وإيصالها عبر البحر في إطار مبادرة إنسانية هدفت إلى الوصول إلى غزة المحاصرة.
لكن الرحلة لم تكن مجرد انتقال بسفينة تحمل المساعدات لشعب مكلوم محاصر من قبل قوات محتل غاشم فقد واجهت القافلة تدخلاً من قبل الاحتلال قبل وصولها إلى وجهتها، وتعرّضت سفنها للهجوم، في واقعة عُرفت عالمياً باسم حادثة سفينة ( مرمرة)، التي كانت من أبرز سفن أسطول الحرية المتجه إلى غزة عام 2010.
قُتل عشرة أشخاص خلال الهجوم، وأصيب آخرون، وأصبحت الحادثة محطة بارزة في الجدل الدولي حول الحصار واستخدام القوة ضد المشاركين في القافلة، ولم تعد المسألة مقتصرة على المساعدات التي كانت تحملها السفن، بل امتدت إلى أسئلة تتعلق بحرية الملاحة، وحماية المدنيين، وحدود استخدام القوة، والمسؤولية القانونية عن الاعتداء على المشاركين في المبادرات الإنسانية.
لقد كانت تلك التجربة كاشفة لحجم التعقيد الذي يحيط بالعمل الإغاثي الإنساني عندما يتقاطع مع النزاعات السياسية والعسكرية، فالمساعدات التي كان يفترض أن تصل إلى المدنيين تحولت إلى مواجهة أثارت ردود فعل واسعة، وفتحت الباب أمام تحقيقات وإجراءات قانونية وسياسية.
ومع مرور الزمن ، بقيت تلك التجربة حاضرة في ذاكرتي، ليس بسبب المخاطر التي ارتبطت بها فقط، بل أيضاً بسبب الدافع الإنساني الذي دفعني لأشارك فيها. فقد كان المقصود إيصال المساعدات إلى الناس، والتأكيد على أن الحصار ليس قضية نظرية، وإنما واقع يمس حياة البشر وكرامتهم وقدرتهم على العيش.
وأتذكر، في هذا السياق، موقفاً عائلياً طريفاً حصل في تلك الفترة حيث اختلطت فيه مشاعر القلق بالفخر. فقد كان أحد أبنائي متحمساً إلى درجة أنه اعتقد أنني قد لا أعود من الرحلة، وأن مشاركتي تعني أنني ذاهب إلى مواجهة قد تنتهي باستشهادي، وعندما عدت من السفر، سألته كيف وصل إلى هذا التصور، فاكتشفت أن ما شاهده أو سمعه جعل الرحلة تبدو له أقرب إلى الذهاب إلى معركة منها إلى المشاركة في إيصال المساعدات.
كان ابني في ذلك الوقت طفل صغير وربما لم يكن قادراً على التمييز بين طبيعة المهمة الإنسانية وما أحاط بها من مخاطر وصور إعلامية.، وقد استوقفتني تلك الحادثة لأنها أظهرت كيف يمكن للطفل أن يرى في مشاركة والده عملاً يتجاوز حدود المألوف، حتى عندما يكون الهدف المعلن بسيطاً وواضحاً: مساعدة أناس يحتاجون إلى الغذاء والدواء.
أما أنا، فلم أنظر إلى التجربة باعتبارها مغامرة شخصية، بل نظرت اليها كواجب انساني وديني ولم يكن ما يشغلني هو ما قد يُقال عني أو ما قد أتعرض له من نقد. لقد كان الأمر، في جوهره، مرتبطاً بالقناعة والنية الصافية. فالإنسان الذي يتحرك بدافع الإخلاص لله وخدمة الناس لا ينبغي أن يجعل تقييم الآخرين غايته الأولى، وإن كان من حق الجميع مناقشة الوسائل والنتائج ومساءلة أصحاب المبادرات.
غير أن التجربة الإنسانية لا تنفصل عن السياق السياسي المحيط بها. فقد ظل الموقف الفلسطيني الرسمي، في مراحل مختلفة، موضع نقاش وانتقاد، ولا سيما عندما بدا متردداً أو متناقضاً في التعامل مع قضايا المقاومة والتفاوض والتسوية.
لقد علّمتني تجربة كسر الحصار أن العمل الإنساني قد يبدأ بشحنة من الغذاء والدواء، لكنه يفتح أبواباً أوسع من الأسئلة حول الحرية والعدالة والمسؤولية. فالمساعدة قد تخفف معاناة عاجلة، لكنها لا تغني عن معالجة الأسباب التي صنعت تلك المعاناة.
ولهذا، بقيت على قناعتي المبنية على العقيدة الاسلامية أن الوقوف إلى جانب المدنيين المحاصرين واجب إنساني، وأن إيصال المساعدات ليس بديلاً عن المطالبة بحقوقهم، بل جزء من مسؤولية أوسع تجاههم فحين يصبح الوصول إلى الدواء والغذاء موضع نزاع، لا يعود الصمت موقفاً محايداً، بل يصبح من الضروري إعادة طرح الأسئلة التي تتصل بالحق والعدالة وكرامة الإنسان.
استاذ مبارك المطوع
رئيس التحريراستاذ مبارك المطوع