عاجل
مقال رأي

أين العالم العربي والإسلامي؟ من التشخيص إلى بناء القوة

calendar_month الأحد, 20 سبتمبر 2026 | schedule منذ 14 ساعة | person استاذ مبارك المطوع
مشاركة:
أين العالم العربي والإسلامي؟ من التشخيص إلى بناء القوة
zoom_in اضغط للتكبير

 

 

فلسطين، والتي كانت وما تزال قضية العرب والمسلمين الأولى، قد كشفت لنا حجم الفجوة بين ما نؤمن به وما نستطيع أن نفعله، فالقضية الفلسطينية تقودنا بصورة طبيعية إلى سؤال أوسع وأعمق: أين العالم العربي؟ وأين العالم الإسلامي؟

ليس المقصود بهذا السؤال البحث عن إجابة عاطفية، ولا تحميل المسؤولية لطرف واحد دون غيره، وإنما القصد العمل على محاولة فهم واقعٍ كشفت أزماته المتكررة حقيقة أساسية: امتلاك الأمتين العربية والإسلامية الإمكانات لا يعني بالضرورة امتلاك القوة.

فالعرب لديهم الثروات والموارد، والموقع الجغرافي، والأسواق، والطاقات البشرية، والتاريخ، والثقافة، لكن هذه العناصر لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية ضاغطة على العالم كله. فالعالم لا تحكمه النوايا وحدها، ولا تكفي فيه الرغبة لكي يتحول ما نريده إلى واقع؛ الدول تحمي مصالحها بقدر ما تمتلكه من عناصر القوة، وبقدر قدرتها على تنظيم هذه العناصر وتوظيفها ضمن مشروع متكامل.

القوة اليوم، وفي عالم لم يعد يعني الجيش والسلاح فقط، وإن كانت القوة العسكرية تبقى عنصرًا أساسيًا في حماية الدولة وردع التهديدات، لكنها أصبحت مفهومًا أوسع يشمل الإنسان، والتعليم، والاقتصاد، والمعرفة، والتكنولوجيا، والقانون، والمؤسسات، والاستقرار السياسي، والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.

ولعل الدولة الإسلامية الوحيدة التي باتت تملك سلاحًا نوويًا، باكستان، والتي باتت تقدم مثالًا واضحًا على ضرورة التمييز بين امتلاك أحد عناصر القوة وامتلاك القوة الشاملة، فهي الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك السلاح النووي، وهو عنصر ذو أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لها، لكن السلاح النووي، مهما بلغت قيمته، لا يستطيع وحده أن يصنع اقتصادًا منتجًا، أو جامعة متقدمة، أو مؤسسات مستقرة، أو مجتمعًا قادرًا على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا.

ومن هنا، فالسؤال الأهم ليس فقط: ماذا نمتلك؟ بل: ماذا نفعل بما نمتلك؟

السؤال اليوم الذي يدور في خلدي منذ سنوات: كيف نحول مواردنا إلى تنمية، وثرواتنا إلى استقلال، ومعرفتنا إلى تكنولوجيا، ومؤسساتنا إلى قدرة مستدامة، وكيف تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى قدرة على حماية المصالح والتأثير في محيطنا؟

فالقوة العسكرية تستطيع أن تمنح الدولة الردع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني اقتصادًا، أو تنتج المعرفة، أو تحقق التماسك الاجتماعي، أو تضمن عدالة القانون. ولذلك فإن القوة الحقيقية تبدأ من الإنسان.

وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح القوة العسكرية جزءًا من منظومة أوسع للقوة، لا بديلًا عنها. أما حين تنفصل القوة عن التنمية والمؤسسات والقانون، فإنها قد تعجز عن معالجة كثير من مواطن الضعف التي تحد من قدرة الدولة على الاستمرار والتأثير.

من فلسطين إلى بناء الأمة

قد يبدو هذا الحديث بعيدًا عن القضية المركزية الأولى، القضية الفلسطينية، لكنه في الحقيقة متصل بها اتصالًا مباشرًا.

فالأمة التي لا تبني عناصر قوتها لن تستطيع أن يكون لها تأثير حقيقي في القضايا التي تؤمن بها، مهما كانت مشاعرها صادقة، ومهما كانت خطاباتها قوية، فستبقى حبيسة الأوراق، فالتعاطف قيمة إنسانية وأخلاقية مهمة، لكن تحويله إلى أثر سياسي واستراتيجي يحتاج إلى أدوات وقدرة ومؤسسات.

ولهذا فإن السؤال اليوم، والذي يراود الكثير من أمتنا: لماذا لا نستطيع أن نفعل ما نريد؟ بل: لماذا لا نملك الأدوات التي تجعل ما نريده ممكنًا؟

حين تغيب القدرة، يبقى الموقف في كثير من الأحيان محصورًا في البيانات والخطابات والمواقف الرمزية، بينما تستمر الأحداث وفق موازين قوى لا نملك الأدوات الكافية لتغييرها.

البداية من بناء الإنسان

ربما تبدو الإجابة بسيطة، لكنها في الواقع الأصعب: نبدأ من الإنسان.

كل مشروع إصلاحي لا يبدأ بالإنسان ينتهي غالبًا إلى مؤسسات بلا روح، وقوانين بلا ثقافة، وشعارات بلا قدرة على التنفيذ.

نبدأ بالتربية، لأنها لا تصنع المواطن فقط، وإنما تصنع الإنسان الذي يعرف مسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه ودينه.

ونبدأ بالتعليم وبأسس دينه، لأنه يبني العقل، ويمنح الإنسان القدرة على التفكير والنقد والبحث، ويمكّنه من التمييز بين المعرفة والدعاية، وبين الحقيقة والوهم.

ونبدأ بالقانون، لأن الدولة التي لا يكون فيها القانون فوق الجميع تظل أسيرة الأشخاص، مهما كانت شعاراتها جميلة. والقانون ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل مؤسسات وممارسات وثقافة يشعر معها المواطن أن حقوقه مصونة، وأن السلطة مقيدة، وأن العدالة لا تتغير بتغير الأشخاص.

ونبدأ بالاقتصاد، لأن الاستقلال السياسي لا ينفصل عن الإمكانيات الاقتصادية، فكلما ازدادت الدولة اعتمادًا على غيرها في احتياجاتها الضرورية، ضاقت مساحة استقلال قرارها، ولذلك فإن بناء اقتصاد منتج، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقة، وتوطين المعرفة والتكنولوجيا، ليست قضايا اقتصادية فحسب، بل هي أيضًا قضايا تتعلق بالسيادة والقدرة على اتخاذ القرار.

ونبدأ كذلك من مؤسسات الدولة، فالمؤسسة القوية تستمر عندما يتغير الأشخاص، بينما الدولة التي تعتمد على الأفراد تصبح أكثر عرضة للاهتزاز كلما تغيرت الظروف. بناء المؤسسات يعني بناء قواعد تستمر، لا مجرد إدارة يومية للأزمات.

من تشخيص المشكلة إلى صناعة الحل

ربما تكمن إحدى مشكلات عالمنا الأساسية في أننا نجيد تشخيص مشكلاتنا، لكننا لا ننتقل بالسرعة نفسها إلى بناء الحلول.

نعرف أن التعليم يحتاج إلى إصلاح، وأن الاقتصاد يحتاج إلى تطوير، وأن المؤسسات تحتاج إلى مزيد من الكفاءة والاستقلال، وأن القانون ينبغي أن يكون فوق الجميع، وأن المعرفة أصبحت أحد أهم عناصر القوة في العالم الحديث.

فلسطين ليست نهاية السؤال بل بداية نهضة الأمة

لهذا لا ينبغي أن ينتهي سؤال أين العالم العربي؟ وأين العالم الإسلامي؟ إلى إجابة أخرى: إلى متى هذا الضعف والتراجع؟

وعليه، واجبنا اليوم أن نتحول جميعًا إلى مشروع يبدأ من الإنسان، ويمر بالتربية والتعليم والقانون والاقتصاد والمؤسسات والمعرفة، وينتهي إلى دول قادرة على حماية مصالحها، واحترام مواطنيها، وصناعة قراراتها، والتأثير في محيطها.

استاذ مبارك المطوع

استاذ مبارك المطوع

رئيس التحرير

استاذ مبارك المطوع

check_circle تم نسخ رابط المقال بنجاح!