عاجل
مقال رأي

بيتٌ استعاد دفأه

calendar_month الخميس, 6 أغسطس 2026 | schedule منذ 11 ساعة | person استاذ مبارك المطوع
مشاركة:
بيتٌ استعاد دفأه
zoom_in اضغط للتكبير

 

حين خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، لم يخلقه ليعيش منفردًا، بل جعله جزءًا من نسيج إنساني متماسك، يساعد بعضه بعضًا، ويجبر بعضه حاجة بعض، لذلك لم يكن العمل الخيري في الإسلام فعلًا هامشيًا يزين حياة الأغنياء، ولا نافلةً تؤدى عند وفرة المال، بل كان فرضا في الدين الإسلامي الحنيف ليشكل جزء من هندسة المجتمع، وأحد أعمدته التي تمنع سقوطه، فالزكاة ركن من أركان الإسلام، والصدقة عبادة، والإحسان منهج حياة، لأن الله أراد للخير أن يكون حركةً تحفظ الحياة من التآكل.

الكثير من الناس  ينظرون إلى الصدقة من زاوية واحدة؛ ومن خلالها يظنون أن المستفيد هو من امتدت إليه اليد، وأن المعطي هو صاحب الفضل، وهذه نظرةٌ ناقصة، لأن الإسلام أعاد ترتيب المشهد كله، فجعل المتصدق هو أول المحتاجين إلى الصدقة، قبل المحتاج نفسه.
فالفقير يحتاج إلى رغيف يسد جوعه ليوم، أما المنفق فيحتاج إلى عملٍ ينجيه يوم يقف بين يدي الله، ويسأل عن ماله في انفقه، والفقير قد يستغني غدًا بعملٍ أو رزق، أما الإنسان فلا يستغني أبدًا عن رحمة ربه، لذلك كان القرآن الكريم يوجه الخطاب دائمًا إلى المنفق لا إلى الآخذ، فيقول: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ صدق الله العظيم، وكأن كل صدقة يخرجها الإنسان ليست ذاهبةً إلى جيب محتاج، وإنما صاعدة إلى رصيدٍ لا تضيع ودائعه.
فالصدقات في حقيقتها معادلةٌ لا تشبه معادلات الأرض؛ فما يخرج من اليد لا ينقص، وما يبقى فيها ليس كله لها، وما يُعطى لله هو وحده الذي يبقى.
ولهذا لم يكن العطاء في التاريخ الإسلامي فعل استعلاء، بل فعل امتنان، وكان الصالحون يرون في المحتاج بابًا فتحه الله لهم، لا عبئًا ألقي على عاتقهم، وكانوا يخشون أن يسبقهم غيرهم إلى هذا الباب، لأنهم يعلمون أن الفقير لا يحمل عنهم أموالهم، بل يحمل لهم حسناتهم. ومن هنا كان بعض السلف الصالح إذا أعطى سائلًا شكر الله، لأنه قبل أن يكون سببًا في أجره.
وليس هنالك أعظم من بيتٍ استعاد دفأه إلا قلبٌ استعاد إنسانيته، فالخير لا يرمم الجدران فحسب، بل يرمم النفوس، حين يدخل العطاء بيتًا أرهقته الحاجة، فإنه لا يقدم الطعام وحده، بل يعيد إلى الأسرة شعورها بأنها ليست منسية في هذا العالم.
لكن الأجمل في حكمه الله سبحانه وتعالى أن الخير يغير المنفق قبل أن يغير المحتاج، فالمال بطبيعته يصنع حول الإنسان أسوارًا من التعلق، ولا يهدم هذه الأسوار إلا العطاء والصدقة، فكل صدقة ينتصر فيها الإنسان على شح نفسه، يقترب خطوةً من حريته. وكل يدٍ تمتد بالخير، تتحرر من عبودية المال، لتدخل في عبودية الله وحده، ولهذا قال تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ صدق الله العظيم، فجعل الفلاح ثمرة الانتصار على البخل، لا ثمرة كثرة المال.
وهنا يأ اخواني واخواتي أقول لكم إن المجتمعات لا تنهار حين يقل المال، وإنما تنهار حين تقل الرحمة فيما بين الناس، وقد عرف التاريخ أممًا كانت فقيرة الموارد، لكنها كانت غنيةً بالتكافل، فعاشت متماسكة، كما عرف أممًا امتلأت خزائنها، لكنها فرغت من المعاني، فتفككت رغم ثرائها.
ولذلك فإن العمل الخيري ليس مشروعًا لإدارة الفقر، بل مشروعٌ لبناء الإنسان. إنه يصنع مجتمعًا يشعر فيه الغني أن ماله رسالة، ويشعر فيه الفقير أن كرامته مصونة، ويشعر فيه الجميع أنهم شركاء في نعمة الله، لا متنافسون عليها.
وهنا يتجلى المعنى الذي يغيب عن الكثير من الناس؛ فالخير لا يبدأ من يد المعطي، بل يبدأ من يقينه بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.

استاذ مبارك المطوع

استاذ مبارك المطوع

رئيس التحرير

استاذ مبارك المطوع

check_circle تم نسخ رابط المقال بنجاح!